ابن عطية الأندلسي

432

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

ثلاثة أيام مع الناس ، وقالت فرقة من المفسرين : لم يشك قط زكرياء وإنما سأل عن الجهة التي بها يكون الولد وتتم البشارة فلما قيل له كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ [ آل عمران : 40 ] سأل علامة على وقت الحمل ليعرف متى يحمل بيحيى . واختلف المفسرون هل كان منعه الكلام لآفة نزلت به أم كان ذلك لغير آفة فقال جبير بن نفير ، ربا لسانه في فيه حتى ملأه ثم أطلقه اللّه بعد ثلاث ، وقال الربيع وغيره : عوقب لأن الملائكة شافهته بالبشارة فسأل بعد ذلك علامة فأخذ اللّه عليه لسانه ، فجعل لا يقدر على الكلام ، وقال قوم من المفسرين : لم تكن آفة ، ولكنه منع محاورة الناس فلم يقدر عليها ، وكان يقدر على ذكر اللّه قاله الطبري ، وذكر نحوه عن محمد بن كعب ، ثم استثنى الرمز ، وهو استثناء منقطع ، وذهب الفقهاء في الإشارة ونحوها ، إلى أنها في حكم الكلام في الإيمان ونحوها ، فعلى هذا يجيء الاستثناء متصلا ، والكلام المراد بالآية إنما هو النطق باللسان لا الإعلام بما في النفس ، فحقيقة هذا الاستثناء ، أنه منقطع ، وقرأ جمهور الناس رَمْزاً بفتح الراء وسكون الميم ، وقرأ علقمة بن قيس ، « رمزا » بضمها ، وقرأ الأعمش « رمزا » بفتحها ، والرمز في اللغة حركة تعلم بما في نفس الرامز بأي شيء كانت الحركة من عين أو حاجب أو شفة أو يد أو عود أو غير ذلك ، وقد قيل للكلام المحرف عن ظاهره رموز ، لأنها علامات بغير اللفظ الموضوع للمعنى المقصود الإعلام به ، وقد يقال للتصويت الدال على معنى رمز ، ومنه قول جوية بن عائد : [ الوافر ] وكان تكلّم الأبطال رمزا * وغمغمة لهم مثل الهدير وأما المفسرون فخصص كل واحد منهم نوعا من الرمز في تفسيره هذه الآية ، فقال مجاهد : إِلَّا رَمْزاً معناه إلا تحريكا بالشفتين ، وقال الضحاك : معناه إلا إشارة باليد والرأس ، وبه قال السدي وعبد اللّه ابن كثير ، وقال الحسن : أمسك لسانه فجعل يشير بيده إلى قومه ، وقال قتادة : إِلَّا رَمْزاً ، معناه إلا إيماء ، وقرأ جمهور الناس : أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ بنصب الفعل بأن ، وقرأ ابن أبي عبلة ، « ألا تكلم » برفع الميم ، وهذا على أن تكون « أن » مخففة من الثقيلة ويكون فيها ضمير الأمر والشأن التقدير آيتك أنه لا تكلم الناس ، والقول بأن هذه الآية نسخها قول النبي عليه السلام : لا صمت يوما إلى الليل قول ظاهر الفساد من جهات ، وأمره تعالى بالذكر لربه كثيرا لأنه لم يحل بينه وبين ذكر اللّه ، وهذا قاض بأنه لم تدركه آفة ولا علة في لسانه ، وقال محمد بن كعب القرظي : لو كان اللّه رخص لأحد في ترك الذكر لرخص لزكرياء عليه السلام حيث قال : « آيتك أن لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا » ، لكنه قال له : وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً ، وقوله تعالى : وَسَبِّحْ معناه قل سبحان اللّه ، وقال قوم معناه : صلّ والقول الأول أصوب لأنه يناسب الذكر ويستغرب مع امتناع الكلام مع الناس ، و « العشي » في اللغة من زوال الشمس إلى مغيبها ومنه قول القاسم بن محمد : ما أدركت الناس إلا وهم يصلون الظهر بعشي ، و « العشي » من حين يفيء الفيء ، ومنه قول حميد بن ثور : فلا الظل من برد الضحى تستطيعه * ولا الفيء من برد العشيّ تذوق و « العشي » اسم مفرد عند بعضهم ، وجمع عشية عند بعضهم كسفينة وسفين و الْإِبْكارِ * مصدر أبكر